جعفر بناهي والسعفة الذهبية: انتصار للسينما الحرة والمقاومة الصامتة

في تتويج طال انتظاره، أهدى مهرجان كان أرفع جوائزه لجعفر بناهي، المخرج الإيراني المعروف بمواقفه الشجاعة وأفلامه التي تكشف المستور.

في لحظة طالما ترقّبها عشّاق السينما الحرة في العالم، فاز المخرج الإيراني القدير جعفر بناهي بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، وهي أرفع جائزة تُمنح في أحد أبرز المحافل السينمائية الدولية. هذا التتويج ليس مجرد تقدير لفيلم أو أسلوب فني، بل هو اعتراف عالمي بقيمة نضال فنان تحدّى القمع والرقابة، وواصل التعبير عن الواقع الإيراني من خلف القضبان، ومن زوايا الحظر والإقامة الجبرية. فكيف استطاع بناهي الوصول إلى هذا التتويج؟ وما الذي يُمثّله هذا الفوز على الصعيدين الفني والسياسي؟

من هو جعفر بناهي؟ سيرة سينمائية محفوفة بالمخاطر

يُعتبر جعفر بناهي (Jafar Panahi) أحد أبرز مخرجي “الموجة الإيرانية الجديدة”، تلك التي انطلقت منذ تسعينيات القرن الماضي، لتكسر الصور النمطية عن السينما الإيرانية، وتُقدّم سرديات واقعية وإنسانية بلغة سينمائية بسيطة وعميقة في آن.

ولد بناهي سنة 1960 في مدينة ميانَة، وبدأ مسيرته كمساعد مخرج لعباس كياروستمي، قبل أن يطلق أول أفلامه “البالون الأبيض” (1995)، والذي فاز بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان، ممّا جعله اسماً واعداً على الساحة العالمية. منذ ذلك الحين، شقّ طريقه بأسلوب واقعي شفاف، يصوّر التناقضات داخل المجتمع الإيراني، مستخدماً رمزية عالية وصوراً مأخوذة من حياة الناس اليومية.

لكن شهرته لم تكن فقط بسبب أسلوبه السينمائي الفريد، بل أيضاً بسبب مواقفه السياسية الجريئة، التي كلّفته في أكثر من مرة الاعتقال، الحظر من السفر، ومنعه من ممارسة الإخراج.

السينما كفعل مقاومة

عُرف عن جعفر بناهي استمراره في صناعة الأفلام رغم القيود الرسمية، وهو ما خلق “سينما الظل” في إيران، سينما تُصنع بسرية، بهواتف محمولة أحياناً، وتُهرّب إلى المهرجانات الدولية. أحد أبرز هذه الأعمال هو “هذا ليس فيلماً” (This is Not a Film, 2011)، الذي صُوِّر داخل منزله أثناء إقامته الجبرية، ونُقل إلى الخارج على فلاش USB مخبّأ داخل كعكة.

أفلامه مثل “تاكسي طهران” (2015)، الذي فاز بجائزة الدب الذهبي في برلين، شكّلت إعلاناً عن قدرة السينما على تجاوز الحدود المادية والسياسية. كان يجلس بناهي في سيارة أجرة حقيقية، يقودها بنفسه، ويلتقط أحاديث الناس وقلقهم وأحلامهم. كانت تلك تحفة سينمائية تُجسّد معنى “السينما في زمن المنع”.

السعفة الذهبية… مكافأة للتحدي قبل الفن

فوز جعفر بناهي بجائزة السعفة الذهبية جاء بعد سنوات من التهميش القسري، حيث مُنع من صناعة الأفلام لمدة 20 سنة بموجب حكم قضائي سنة 2010، بتهمة “الدعاية ضد النظام”. ومع ذلك، لم يتوقف بناهي عن الإبداع، وواصل توثيق الحياة الإيرانية بنظرة إنسانية تتجاوز الخطاب الأيديولوجي المباشر.

الفيلم المتوّج، والذي لم يُعلن رسمياً عن اسمه في بعض الدول بسبب الاعتبارات السياسية، يُشكّل ذروة هذا التحدي الفني والسياسي. يُظهر الفيلم، كغيره من أعمال بناهي، قدرة المخرج على دمج الوثائقي بالروائي، والمزج بين الشخصي والجماعي، بطريقة تجعل من كل مشهد شهادة حيّة على مقاومة القمع بالصورة والكلمة.

وقد علّق رئيس لجنة تحكيم مهرجان كان قائلًا:

“جعفر بناهي لا يصنع فقط أفلاماً، بل ينسج بياناً إنسانياً عن الحرية والمقاومة والجمال”.

البعد السياسي للجائزة

لا يمكن قراءة هذا الفوز خارج سياقه السياسي. ففي زمن تتزايد فيه الرقابة على الفنانين، وتُمنع الأصوات النقدية من التعبير، يأتي تتويج بناهي كرسالة من مهرجان كان تدعو إلى حرية التعبير، وتُدين ضمنياً سجن الفنانين أو تكميم أفواههم.

السينما لم تعد مجرد ترف فني أو أداة تسلية، بل أصبحت وسيلة مقاومة، توثيق، وطرح بدائل للواقع. وفوز بناهي يؤكد مجدداً أن السينما التي تُصنّف على أنها “صغيرة” أو “منبوذة” من قبل الأنظمة، قد تكون هي الأصدق في التعبير عن الهم الإنساني.

جعفر بناهي كرمز عالمي

فوز بناهي بالسعفة الذهبية يضعه في مصاف المخرجين العالميين الكبار، لا لأسلوبه فقط، بل لجرأته في جعل السينما أداة شخصية وعامة للتعبير. هو أشبه ما يكون بـ”أندريه تاركوفسكي” في الاتحاد السوفيتي سابقاً، أو “رومان بولانسكي” في المنفى، أولئك الذين قاوموا بأفلامهم أكثر مما قاوموا بالخطب السياسية.

لقد أصبحت أفلام بناهي اليوم تُدرّس في معاهد السينما حول العالم كنموذج للسينما التي تُصنع في ظروف قاهرة، لكنها لا تفقد روحها الإبداعية.

المستقبل بعد السعفة… هل يتغيّر شيء؟

رغم الفوز، يبقى السؤال الأكبر: هل سيسمح النظام الإيراني لبناهي باستعادة حريته السينمائية كاملة؟ وهل ستُفتح له الأبواب لصنع أفلام في وضح النهار، بدل التصوير في السر وتحت التهديد؟

قد لا تتغيّر السياسة الإيرانية بسهولة، لكن ما تغيّر حقاً هو مكانة بناهي في الوعي العالمي. لقد أصبح اليوم ضميراً سينمائياً، شاهداً على لحظة تُقاوم فيها الصورةُ الرصاص، ويُصبح فيها الصوت المنخفض أكثر تأثيراً من الضجيج الأجوف.

فوز جعفر بناهي بالسعفة الذهبية هو احتفال بالسينما كفن مقاوم، واعتراف بقيمة العمل السينمائي الذي لا يخضع للرقابة ولا يستسلم للمنع. لقد أثبت هذا الفنان الإيراني، أن الإبداع يمكن أن يتنفس حتى في الزنازين، وأن الكاميرا يمكن أن تكون وسيلة لممارسة الحرية، لا الترف.

إنه فوز للسينما التي تُنصت للناس، التي تُصوّر الواقع دون تجميل، والتي تجعل من كل مشهد وقفة تأمل، ومن كل لقطة درساً في الشجاعة.

مقالات ذات صلة

All comments are subject to our Community Guidelines. TheTrendRemix does not endorse the opinions and views shared by readers in our comment sections.

[DISPLAY_ULTIMATE_SOCIAL_ICONS]