مهرجان العودة السينمائي الدولي – سردية العودة عبر عدسة السينما في أستراليا، تونس وتركيا

مهرجان العودة السينمائي الدولي ليس مجرد تظاهرة فنية، بل فعل مقاومة سردي وبصري، يعيد تموضع القضية الفلسطينية في الفضاء الثقافي العالمي، ويمنح الشتات الفلسطيني أداة لاستعادة الذاكرة والحق.

“انتظار العودة… عودة” — شعار مهرجان العودة السينمائي الدولي

حين تتحوّل العدسة إلى بوصلة نحو الوطن :

في زمن تُطغى فيه الروايات الرسمية وتُخنق فيه الأصوات الحرة، تبرز السينما كأداة مقاومة سردية، تعيد للإنسان مكانته في قلب التاريخ. هكذا يُمكن فهم مهرجان العودة السينمائي الدولي، لا كحدث فني وحسب، بل كأداة لاستعادة الذاكرة الفلسطينية، وتأكيد ثابت من ثوابت القضية: العودة كحق لا يسقط بالتقادم.

في دورته التاسعة، حمل المهرجان رسالته إلى ثلاث محطات أساسية في الشتات الفلسطيني: أستراليا، تونس، وتركيا، مجسدًا بذلك ما يمكن تسميته بـالسينما العابرة للجغرافيا السياسية (Geopolitically Transcendent Cinema).

أستراليا – السينما كذاكرة في قلب المنفى :

حدث بصري في جغرافيا الشتات

افتُتحت فعاليات المهرجان في أستراليا بالتعاون بين ملتقى الفيلم الفلسطيني، وجمعية رعاية الفلسطينيين الأستراليين، ومؤسسة العودة للثقافة والفنون، بدعم من حركة العدالة الفلسطينية. جاءت هذه المبادرة لتعكس حضور الفلسطينيين في الشتات كفاعلين ثقافيين لا كجاليات صامتة، وتؤكد أن السينما في المهجر ليست ترفًا ثقافيًا، بل شكل من أشكال “العمل النضالي المرئي” (Visual Resistance Activism).

Sana Abokhalil: الوجه النسوي للسينما الملتزمة

برزت في هذا السياق المناضلة سناء أبو خليل Sana Abokhalil، منسقة المهرجان في أستراليا، وعضو الهيئة الاستشارية العليا. ليس مجرد دور تنظيمي، بل مساهمة في صناعة حدث له أثر سياسي وثقافي. يمكن توصيف ما تمثله أبو خليل بأنه Leadership in Diasporic Cinema، حيث يقترن الفعل الثقافي بالفعل السياسي.

“بجهودك، أخت أم القاسم، يستمر المهرجان ويستمر التأكيد على حق العودة.”
— المخرج سعود مهنا

تونس – الأرض التي ترفض التطبيع وتحتفي بالعدالة :

تلاقي الفن والموقف السياسي

في تونس، وبالتحديد في مدينة حمام الأنف، احتضنت المؤسسات الثقافية والشبابية فعاليات الافتتاح، وكان من اللافت التفاعل القوي من قبل دار الشباب بحمام الأنف والمركز الثقافي والرياضي للشباب ببن عروس، ومشاركة أسماء بارزة في المشهد الثقافي الشبابي.

تجدر الإشارة إلى أن هذا الدعم لم يأت من فراغ، فالموقف التونسي التاريخي من القضية الفلسطينية ظل واضحًا، إذ لا تزال تونس من الدول القليلة التي تُجرّم التطبيع، وهو ما وفّر بيئة أخلاقية للمهرجان كي يُقام برؤية مقاومة واضحة.

جيهان إسماعيل: المرأة التي تدير الكاميرا كمنبر

أدارت المخرجة جيهان إسماعيل Gehan Ismail المهرجان في تونس، مكرسة مفهوم السينما النسوية المقاومة (Feminist Resistance Cinema)، ومجسدة التحول من مخرج شاهد إلى مخرج فاعل. يعكس هذا الدور قدرة السينما على تمكين المرأة سياسيًا وثقافيًا، وهو ما جعل من حضورها أكثر من مجرد تنظيم تقني، بل تموقع رمزي في معركة الوعي.

“تحية لكل الشرفاء، والخزي والعار للمتصهينين والمطبعين والصامتين.”
— سعود مهنا

تركيا – عدسة الزيتون وشاشة العودة :

جمعيات داعمة وجمهور متفاعل

في تركيا، جرى التعاون مع جمعية غصن الزيتون بالوفا، في تجلٍ آخر لأهمية المجتمع المدني في دعم السينما الملتزمة. شاركت في التنظيم الإعلامية رنا إبراهيم Rana Ibrahim، وأثبتت هذه النسخة أن التوزيع الجغرافي لا يعني تشتتًا، بل امتدادًا استراتيجيًا للمشروع السينمائي الفلسطيني.

“لا زلنا ننادي بحقوق اللاجئين ونؤكد عدم التنازل عن حق العودة.”
— سعود مهنا

العودة في السينما – من الشعار إلى الصورة :

مفهوم “العودة” كأداة سردية

لم تكن العودة مجرد شعار دعائي للمهرجان، بل كانت محورًا جماليًا وفلسفيًا في الأفلام المعروضة. إذ يمكن قراءة معظم الأفلام ضمن ما يسمى بـNarratives of Longing and Displacement، حيث يتحول الحنين إلى الوطن إلى بناء سردي سينمائي يعكس التشظي، الفقد، والتمسك بالهوية.

أمثلة على أفلام ذات أثر :

رغم أن القائمة الكاملة للأفلام لم تُعلن في الدعوات الرسمية، إلا أن المهرجان في دوراته السابقة شهد عرض أفلام مثل:

  • “3000 ليلة” (3000 Nights) للمخرجة مي مصري، التي تسرد قصة سجينات فلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية.
  • “الطريق إلى كفرنبل” (The Road to Kafranbel)، كوثيقة لمقاومة الشتات السوري-الفلسطيني.
  • إضافة إلى أفلام وثائقية وشخصية تستعيد المخيم، والمفتاح، والحنين، كرموز بصرية للعودة.

السينما كمنصة مقاومة استعمارية :

من خطاب الضحية إلى خطاب الفاعل

تُصنّف أعمال مهرجان العودة ضمن إطار “السينما المناهضة للاستعمار” (Anti-Colonial Cinema)، التي ترفض اختزال الفلسطيني في صورة الضحية، وتسعى لبناء سردية موازية تتجاوز السرديات الصهيونية. إنها سينما تُعرّي الاحتلال لا فقط عبر التوثيق، بل عبر تفكيك البنية الرمزية للهيمنة.

أثر المهرجان على الصناعة السينمائية

يسهم المهرجان في دعم المخرجين الفلسطينيين الشباب في المهجر، وخلق فضاء لعرض أفلام لا تجد منابر في المهرجانات الكبرى التي تخضع أحيانًا لموازنات سياسية أو تمويلية. كما يتيح للمشاهد العربي والدولي التعرف على تيار سينمائي يحمل همًا سياسيًا دون أن يُفرّط في الجماليات.

نحو سينما لا تُنسى… ولا تُنسى :

في دورته التاسعة، لم يكن مهرجان العودة حدثًا احتفاليًا عابرًا، بل محطة في نهر مستمر من النضال الثقافي الفلسطيني. من أستراليا إلى تونس، مرورًا بتركيا، تكوّنت “جغرافيا سينمائية للمنفى” (Exilic Cinematic Geography)، ترسم ملامح عودة لا تحدث في الجغرافيا، بل في السرد، في الصورة، وفي الذاكرة.

فـ”انتظار العودة” ليس توقّفًا عن الحركة، بل حركة في انتظار التحقّق. إنها سينما تعرف أن الكاميرا حين تُوجّه نحو الجرح، تصبح مرآة، وصوت، وعودة.

مقالات ذات صلة

All comments are subject to our Community Guidelines. TheTrendRemix does not endorse the opinions and views shared by readers in our comment sections.

[DISPLAY_ULTIMATE_SOCIAL_ICONS]