مهرجان الرقص الشعبي الدولي بسيدي بلعباس – الجزائر بوابة الفلكلور والتعايش الثقافي .

انطلقت فعاليات الطبعة الـ15 من مهرجان الرقص الشعبي الدولي بسيدي بلعباس، جامعًا بين فرق من فلسطين، الصين، إيطاليا، غانا، وغيرها، إلى جانب فرق جزائرية، في عروض فنية تحتفي بالتراث والهوية والتنوع الثقافي.

سيدي بلعباس – الجزائر | في مشهد احتفالي متعدّد الألوان والإيقاعات، وتحت شعار “الجزائر جسر للتعارف والسلم في العالم“، أعطيت إشارة انطلاق فعاليات الطبعة الـ15 للمهرجان الثقافي الدولي للرقص الشعبي بمدينة سيدي بلعباس، وسط حضور جماهيري كثيف ومشاركة فنية لافتة من فرق دولية ووطنية تمثل تنوّعًا ثقافيًا عالميًا.

هذا الحدث الذي يستمر إلى غاية 15 يوليو الجاري، تحوّل إلى منصة دولية مفتوحة على تعابير الشعوب وهوياتها، حيث امتزجت الرقصات الشعبية التقليدية بالأزياء الملوّنة، والإيقاعات التراثية بالحركات التعبيرية الراقصة، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وحدة الشعوب في تعدّدها.

تظاهرة عالمية… من قلب سيدي بلعباس

من ساحة أول نوفمبر إلى مسرح الهواء الطلق “صايم لخضر”، مرورًا بساحات الشهداء والمقطع، امتلأت فضاءات المدينة بأجواء كرنفالية حيوية، تخلّلتها عروض فنية واستعراضات فولكلورية نابعة من صميم التراث العالمي. وقد شهدت هذه الدورة مشاركة 15 فرقة دولية من بلدان تمتد من آسيا إلى أوروبا وإفريقيا، وهي: فلسطين، مصر، الصين، غانا، إسبانيا، إيطاليا، تركيا، بولندا، وسلوفاكيا.

كما حضرت بقوّة ست فرق جزائرية من ولايات: تيزي وزو، سطيف، قسنطينة، غرداية، تمنراست، وسيدي بلعباس، مقدّمة عروضًا متنوّعة تعكس غنى التراث الشعبي الجزائري بتعدّد روافده الثقافية الأمازيغية والعربية والصحراوية.

فن يحكي هوية الشعوب

قدّمت الفرق المشاركة لوحات راقصة مبهرة، اعتمدت على مزج دقيق بين الحركات الإيقاعية والأزياء التقليدية والآلات الموسيقية الشعبية، ما خلق جوًا احتفاليًا تلقائيًا تجاوب معه الجمهور بعفوية، وسط تصفيق وإعجاب غامر.

الرقصات الشعبية لم تكن مجرّد عروض استعراضية، بل رسائل فنية تعكس أنماط العيش، والمعتقدات، وذاكرة الشعوب. من الرقص الغجري في أوروبا الشرقية، إلى الخطوات المتقنة للرقص الإفريقي، مرورًا بالحركات الدائرية في الرقص المغاربي، شكّلت هذه العروض أرشيفًا حيًا للذاكرة اللامادية للإنسانية.

محافظ المهرجان: صوت الثقافة وروح التنظيم

في تصريح خاص، أوضح السيد محمد كازوز، محافظ المهرجان، أن هذه الدورة تمثّل “محطّة هامة في تجسيد البعد الثقافي الإنساني للمهرجان، بوصفه مساحة للتعارف والتبادل بين الشعوب، وفي الوقت ذاته فضاءً لإبراز الموروث الثقافي الجزائري كركيزة للهوية الوطنية“.

وأكد كازوز أن التحدي الأكبر كان في الحفاظ على الروح الأصلية للمهرجان مع مواكبة التحولات المعاصرة التي تعرفها الساحة الثقافية العالمية، وأضاف:

نجحنا، بفضل التنسيق بين وزارة الثقافة والفنون، والسلطات المحلية، والمجتمع المدني، في توفير شروط تنظيمية وتقنية تليق بمقام الحدث، وجعلنا من كل زاوية من زوايا المدينة منصّة مفتوحة للفن والحوار.”

ولفت المحافظ إلى أن العمل لم يقتصر على العروض الفنية فقط، بل تم إدماج ورشات تكوينية، وجلسات فكرية وأدبية، ومعارض للصور واللباس التقليدي، في سبيل خلق تجربة ثقافية متكاملة تلامس مختلف الحواس.

الصورة من طرف Didi prod

منصّات مفتوحة للفن والتبادل

البرنامج الفني الذي يمتدّ على مدار أسبوع كامل، لم يقتصر على مسرح “صايم لخضر” فحسب، بل توزّعت الفعاليات على عدة فضاءات شعبية وثقافية بالمدينة، ما ساهم في تحويل سيدي بلعباس إلى كرنفال حيّ للفن والتراث.

أبرز هذه الفضاءات:

  • ساحة أول نوفمبر: قلب الانطلاقة وفضاء التجمّع الجماهيري الأول.
  • ساحة الشهداء وساحة المقطع: منصات عرض في الهواء الطلق تستقطب العائلات والشباب.
  • دار الثقافة “كاتب ياسين”: مركز الورشات والندوات الفكرية والأدبية.
  • بهو مجسم القبة السماوية: معرض دائم للأزياء والصور والمنتجات التقليدية.

رسالة سامية: الانفتاح والاعتزاز بالهوية

يحمل المهرجان في عمقه رسالة ثقافية راقية، قوامها الانفتاح على الآخر، والاعتزاز بالهوية، والاحتفاء بالاختلاف كقيمة إنسانية. وقد عبّر عدد من المشاركين الأجانب عن سعادتهم الكبيرة بالتواجد في الجزائر، مشيدين بـ”روح الكرم” التي استقبلوا بها، واعتبروا المهرجان “فرصة نادرة للتلاقح الثقافي وإبراز ثراء الرقص الشعبي كتراث عالمي مشترك“.

من جهته، أكّد والي ولاية سيدي بلعباس، في كلمته الافتتاحية، أن هذا الحدث يعكس مكانة الجزائر كـ”جسر للتعارف والسلم“، مشيدًا بتعاون المجلسين الشعبيين الولائي والبلدي، ومساهمة الهيئات الثقافية في إنجاح هذه الطبعة.

الورشات… لقاءات بين الأجيال والثقافات

ضمن الفعاليات الموازية، نظّمت إدارة المهرجان عددًا من الورشات التكوينية في فن الرقص الشعبي، أطرها مدربون وفنانون دوليون، وشارك فيها شباب وطلبة مهتمون بالتراث الفني. كما احتضنت دار الثقافة “كاتب ياسين” لقاءات فكرية جمعت مختصين في الأنثروبولوجيا والفنون الشعبية، ناقشوا خلالها موضوعات مثل: “الرقص كفن مقاومة”، و”الهوية في الحركات الجسدية”، و”تحديات حفظ التراث غير المادي“.

هذه الأنشطة ساهمت في تعميق البعد التأملي والتكويني للمهرجان، وجعلت منه أكثر من مجرد تظاهرة ترفيهية، بل مساحة للتفكير المشترك وإعادة تعريف مفهوم الهوية من خلال الفنون الحية.

الصناعة التقليدية في واجهة الاحتفال

ولم يغب البُعد الحِرفي عن هذا العرس الثقافي، إذ احتضن بهو مجسم القبة السماوية وسط المدينة معرضًا متنوعًا للمنتجات التقليدية الجزائرية، أبرزت فيه العارضات والعارضون مهارات في النسيج، الفخار، النحاس، وصناعة الحلي والأزياء. وامتزجت التصاميم المعروضة بين الحداثة والوفاء للجذور، ما جذب أنظار الزوّار المحليين والسياح الأجانب.

مهرجان يُراكم النجاحات ويُجدد الوعود

منذ تأسيسه، يشكّل مهرجان الرقص الشعبي الدولي بسيدي بلعباس واجهة حضارية للجزائر في المشهد الثقافي العالمي، وقد استطاع على مدار دوراته أن يجذب فنانين وجماهير من مختلف القارات. وها هو اليوم، في طبعته الخامسة عشرة، يُكرّس موقعه كمختبر فنيّ يجمع بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي، في لوحة احتفالية تفيض بالحياة.

حين ترقص الأرض وتتحاور الشعوب

إنّ الرقص الشعبي، كما عبّر عنه هذا المهرجان، ليس مجرّد حركة جسدية، بل فعل ثقافي عميق، يحمل في طياته لغة الهوية، وذاكرة المكان، وشغف الإنسان بالتعبير. وبهذه الروح، رسمت سيدي بلعباس مشهدًا نادرًا من الانسجام، حيث ترقص الأرض وتتحاور الشعوب، في مشهد لا يعرف الحدود إلا بوصفها جسورًا.

وفي ظل التحديات التي يشهدها العالم اليوم، تأتي مثل هذه المواعيد لتؤكد أن الثقافة تظل أقوى من الصراعات، وأجمل من الانقسامات، وأكثر قدرة على صناعة الأمل.

مقالات ذات صلة

All comments are subject to our Community Guidelines. TheTrendRemix does not endorse the opinions and views shared by readers in our comment sections.

[DISPLAY_ULTIMATE_SOCIAL_ICONS]