روما – 23 يوليو 2025
في خطوة تعكس تطورًا لافتًا في العلاقات الثقافية والدبلوماسية بين الجزائر وإيطاليا، وقّع وزيرا الثقافة في البلدين اتفاقيةً جديدة للإنتاج السينمائي المشترك، وذلك على هامش القمة الحكومية رفيعة المستوى في العاصمة الإيطالية، ضمن إطار “خطة ماتيي لأفريقيا” التي تهدف إلى ترسيخ شراكات قائمة على الاحترام المتبادل والتنمية المشتركة.
الاتفاق، الذي أمضاه كل من الوزير الإيطالي أليساندرو جولي ونظيره الجزائري زهير بللو، يفتح آفاقًا واسعة أمام القطاع السمعي البصري في البلدين، من خلال منح صفة الإنتاج الوطني للأعمال السينمائية المشتركة، ما يتيح لها الاستفادة من تسهيلات قانونية، وإعفاءات ضريبية، ودعم مالي في مراحل التوزيع والعرض.
بين الرمزية والواقع التنفيذي
وتُعد هذه الخطوة الأولى من نوعها منذ عقود في تاريخ التعاون الثقافي بين البلدين، إلا أن المتابعين للشأن السينمائي في الجزائر يطرحون تساؤلات مشروعة حول الإطار العملي لتطبيق الاتفاق. فالمعروف أن الجزائر لا تنتج أفلامًا بشكل مباشر عبر الدولة، بل تعتمد على دعم مؤسسات مثل “المركز الجزائري لتطوير السينما” الذي أعيد هيكلته مؤخرًا. وهو ما يطرح علامات استفهام حول الجهة الجزائرية المعنية فعليًا بتفعيل هذا الاتفاق، وحول الآليات التي ستُعتمد لانتقاء وتمويل المشاريع.
وفي الوقت الذي تنص فيه الاتفاقيات المشابهة عادةً على إنشاء صناديق تمويل مشتركة أو لجان فنية مختصة، خلا الإعلان الرسمي من أي إشارة إلى مثل هذه الإجراءات، ما قد يجعل الاتفاق في الوقت الراهن أقرب إلى مبادرة رمزية ذات طابع دبلوماسي، بانتظار توضيحات تنظيمية وفنية لاحقة.
من “معركة الجزائر” إلى شراكة جديدة
يحمل هذا الاتفاق بُعدًا رمزيًا قويًا، خاصة عند استحضار الفيلم التاريخي “معركة الجزائر” (1966) الذي شكل ثمرة تعاون بين المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو والجزائر المستقلة حديثًا آنذاك. ذلك العمل الخالد لا يزال يمثل حجر أساس في سردية الذاكرة السينمائية للنضال الوطني، ويؤكد قدرة السينما على تجاوز الحدود لصناعة خطاب إنساني مشترك.
اليوم، تجد الجزائر وإيطاليا في هذه الاتفاقية فرصة لإحياء ذلك التعاون التاريخي، ولكن ضمن سياق معاصر يقتضي تجديد الأدوات والرؤى الإنتاجية، خاصة في ظل التحديات الجديدة التي تفرضها الرقمنة، وتقلص ميزانيات الإنتاج، وتغير أذواق الجمهور.
أبعاد تتجاوز السينما
الاتفاق لم يقتصر على القطاع السينمائي فحسب، بل شمل مجالات أوسع مثل التراث والهوية الثقافية. فقد تم الإعلان عن توأمة مرتقبة بين موقع بومبي الإيطالي وتيمقاد الجزائرية، في مبادرة تهدف إلى تعزيز التعاون البحثي، وتبادل الخبرات في مجالات الترميم، وحماية المواقع الأثرية من التخريب والنهب، مع إدماج تكنولوجيا حديثة في أعمال التوثيق والحفظ.
كما تضمنت الاتفاقية بندًا خاصًا يتعلق بإعداد ملف مشترك لترشيح مواقع مرتبطة بالقديس أوغسطينوس، الذي وُلد في الجزائر، إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو. وسيُرافق هذا الترشيح تطوير مسارات سياحية وثقافية عبر ضفتي المتوسط، بما يعكس البُعد الروحي والفكري العميق للعلاقة التاريخية بين البلدين.
أفق جديد لصناعة السينما المغاربية والأوروبية
إذا ما تحولت هذه الاتفاقية إلى واقع ملموس، فإنها قد تمثل نقطة تحول في تاريخ السينما الجزائرية، عبر الانفتاح على السوق الأوروبية، والاستفادة من تجربة السينما الإيطالية ذات التاريخ العريق. في المقابل، قد تجد إيطاليا في الجزائر شريكًا قادرًا على منحها موطئ قدم جديد في أفريقيا، خاصة على مستوى رواية القصص المحلية بعيون عالمية.
في النهاية، تبقى السينما واحدة من أقوى أدوات الدبلوماسية الناعمة، وإذا ما تم توظيفها باحترافية، فإن هذا التحالف الثقافي يمكنه أن يسهم في صناعة سرديات إنسانية عابرة للحدود، تُعيد رسم صورة المتوسط كفضاء حضاري مشترك، وليس مجرد خط فاصل بين الشمال والجنوب.










