تحت سماء الجزائر، حيث يلتقي عبق التاريخ بنبض الحداثة، تستعد العاصمة لاستقبال محفل سينمائي يعد بأن يكون أيقونة ثقافية بامتياز. فمنذ أربعة عقود، لم تكن السينما مجرد شريط يعرض على الشاشات، بل كانت ولا تزال مرآة للحضارات ومنصة لالتقاء الرؤى. وفي هذا السياق، تشرق شمس الدورة الثانية عشرة من “مهرجان الجزائر الدولي للفيلم”، في تظاهرة فنية تُطلق فعالياتها يوم الأربعاء 4 ديسمبر 2025، لتمد جسورها الثقافية من ضفاف المتوسط إلى أقصى نقاط الجنوب العالمي.
بجهود استثنائية من القائمين، يتحول هذا المهرجان على مدى ستة أيام إلى “فضاء رحب” يحتضن 101 فيلمًا، وكل فيلم منها يمثل عالماً قائماً بذاته، من الحكايات الحميمية وصولاً إلى السرديات التاريخية والوثائقية الجريئة. إنها دعوة مفتوحة للمخرجين والمنتجين والنقاد والجمهور، ليقفوا صفاً واحداً أمام عظمة الصورة، مؤكدين أن السينما هي لغة الشعوب الأعمق.

101 فيلم.. بانوراما عالمية متنوعة
تُعدّ هذه الدورة واحدة من أغنى دورات المهرجان من حيث عدد الأفلام المعروضة وتنوعها الجغرافي والثقافي. فإلى جانب فيلمي الافتتاح والاختتام، يعرض المهرجان 101 فيلمًا، تنقسم إلى أقسام رئيسية تجمع بين المسابقات الرسمية والعروض الخاصة.
الافتتاح والاختتام: بين الذاكرة والراهن
سيُضيء سماء المهرجان عند الافتتاح، الفيلم الجزائري المُرمَّم (غطّاسو الصحراء) إنتاج 1952 للمخرج طاهر حناّش، في استعادة بليغة لذاكرة السينما الوطنية. بينما يسدل الستار على الفعاليات بفيلم (صوت هند رجب) 2025 للمخرجة التونسية المبدعة كوثر بن هنيّة.
50 فيلمًا في قلب المنافسة
تتوزع المسابقات الرسمية على ثلاثة فئات، يشارك فيها 50 فيلمًا تُشكّل نبض الحراك السينمائي في الجنوب العالمي وخارجه:
- 16 فيلمًا روائيًا طويلًا.
- 14 فيلمًا وثائقيًا.
- 20 فيلمًا قصيرًا.






رحلة “ستة عشر عالمًا” في المسابقة الروائية
وصفت إدارة المهرجان الأفلام الروائية الطويلة الـ 16 المشاركة بأنها “ستة عشر عالماً، حيث يلتقي الحميمي بالتاريخ، في تشكيلة تعكس تنوّع الرؤى في الجنوب العالمي، من ضفاف المتوسط إلى أقاصي آسيا”.
تبرز المشاركة الجزائرية القوية بأفلام مثل: (رقيّة) ليانيس كوسيم، و (بين وبين) لمحمد لخضر تاتي، و (حدة) لأحمد رياض. إلى جانب أعمال من الأرجنتين، وكازاخستان، وروسيا، وتونس بـ (ود) للحبيب مستيري، وفلسطين بـ (أحلام عابرة) لرشيد مشهراوي، والعراق بأصوله الأمريكية في (أناشيد آدم) لعدي رشيد.
تتولى لجنة تحكيم دولية برئاسة المخرج الهولندي من أصول جزائرية كريم طرايدية مهمة تقييم هذه الأعمال، بعضوية كل من الكوبي أوكتافيو فراغا غيرا، والتشيكي بيتر فاتسلاف، والإيطالي روكو كالاندرييلو، والناقدة الفنية الجيبوتية سعاد حسين.
نافذة على الواقع في الأفلام الوثائقية والقصيرة
تضم مسابقة الأفلام الوثائقية 14 فيلمًا تسلّط الضوء على قصص إنسانية وسياسية واجتماعية عميقة. وتشهد المسابقة حضورًا جزائريًا لافتًا بأفلام مثل: (أكناو) لحورية حمادوش، و (عنّاب) لعبدالله قادة، و (خدمة الموت) للخير زيداني، و (العودة إلى المدينة) لجمال لكحل. كما تُعرض أعمال مهمة مثل (مع حسّان في غزّة) للفلسطيني كمال الجعفري، و (رفعتُ عيني للسماء) للمصريين ندى رياض وأيمن الأمير.
أقسام خارج المنافسة
يضم القسم غير التنافسي 49 فيلمًا، يشمل عروضًا ذات قيمة ثقافية عالية:
- ضيف الشرف: كوبا: يُكرّم المهرجان السينما الكوبية بعرض 6 أفلام من إنتاجها.
- بانوراما فلسطين: تُعرض 8 أفلام فلسطينية تسلط الضوء على قضية الشعب الفلسطيني وذاكرته.
- بانوراما الجزائر: تحتفي الشاشات بـ 22 فيلمًا جزائريًا جديدًا ومميزًا.
- بانوراما الجنوب العالمي: 10 أفلام تمثل أصواتًا سينمائية من جنوب الكوكب.
- فقرة جديدة: سينما العلوم والمعرفة: يضيف المهرجان في دورته الجديدة 3 أفلام ضمن هذه الفقرة، تأكيدًا لدور السينما كأداة للمعرفة والتنوير.
خمس قاعات تحتضن الإبداع
تتوزع عروض الأفلام (المئة وواحد) على خمس قاعات عرض رئيسية في العاصمة، وهي: (قاعة ابن زيدون، قاعة بيتا -كوسموس، قاعة السينماتيك، قاعة المسرح البلدي الجزائر العاصمة، وقاعة الجزائرية)، لتتيح لأكبر شريحة من الجمهور فرصة مشاهدة هذه التوليفة الفنية الغنية.
انطلاقًا من يوم غد، تتحول الجزائر إلى قبلة للسينما الهادفة، مؤكدةً على دورها كبوابة ثقافية رئيسية في المنطقة ومد جسور التواصل بين الشعوب عبر لغة الضوء والصورة.
بهذه التوليفة الغنية التي تجمع بين إرث الماضي (فيلم الافتتاح المُرمَّم) ورؤى المستقبل (فيلم الاختتام لـ كوثر بن هنيّة)، ومع إدراج فقرات معرفية جديدة كـ “سينما العلوم”، يثبت مهرجان الجزائر الدولي للفيلم أنه أكثر من مجرد مسابقة فنية؛ بل هو مركز إشعاع ثقافي يضع السينما في صميم التنمية المجتمعية والمعرفية.
فعلى مدى الأيام الستة، وفي قاعات العرض الخمس، سيتردد صدى 101 قصة، ستسافر بنا عبر الجغرافيا والتاريخ والوجدان، مؤكدة على أن الدور الأساسي لهذه التظاهرة ليس فقط الاحتفاء بالجوائز، بل في نسج شبكة من الفهم المشترك والاحترام المتبادل بين الشعوب. وتترقب العاصمة الجزائرية بكل شغف انطلاق هذا الحدث الذي يعد بمثابة نقطة مضيئة على الخارطة السينمائية الدولية.










