ليلة من عطر التراث -“ديوان” يحيي القلوب في قلب سيدي الجيلالي العتيق

بقلم: حمادوش حورية

سيدي بلعباس، 10 يوليو 2026 – تحت سماء سيدي بلعباس التي تلاشت فيها حرارة النهار لتفسح المجال لنسمات عليلة، عاش حي “سيدي الجيلالي” القديم، أحد أقدم وأعرق أحياء المدينة، ليلة استثنائية لم يألفها منذ زمن. لم تكن مجرد سهرة عادية، بل كانت سهرة “ديوان” أعادت إحياء جذور الهوية، وتدشيناً لمرحلة جديدة في صون الموروث الشعبي مع إعلان ميلاد جمعية ثقافية وليدة.

العاشر من يوليو 2026، كان الموعد مع حدث انتظرته الذاكرة الشعبية طويلاً. حيث شهد الحي إشهار جمعية أحباب الديوان ، التي أسسها كل من السيد محمد دوش والسيد عاشور محمد. هؤلاء الرجال الذين لم يألوا جهداً في حمل شعلة الحفاظ على الفن الأصيل، قرروا أن تكون هذه الجمعية منارةً لا لحفظ التراث فحسب، بل لتوريثه للأجيال التي قد تغترب عن جذورها في صخب الحداثة.

إن اختيار حي سيدي الجيلالي القديم لم يكن محض صدفة، بل هو استحضار لـ “روح المكان”؛ هذا الحي الذي شهد ميلاد الكثير من الحكايات، واليوم يشهد ولادة جمعية ثقافية واعدة.

بعد غروب الشمس ، بدأ “الديوان” صوت “القرقابو و القمبري ” وهو يضرب بإيقاع متسارع ومنتظم، صوت يتغلغل في مسام الروح، كأنه نبض المدينة الخفي. لقد كان الفضاء محتشداً بعبق البخور وتناغم الألحان الصوفية والشعبية التي أخذت الحاضرين في رحلة وجدانية.

لقد كانت السهرة تظاهرة فنية امتزج فيها التاريخ بالفن. الحضور لم يكونوا مجرد مشاهدين، بل كانوا جزءاً من النسيج، يتفاعلون مع كل نغمة ، وكل مقطع من المقاطع التي أدتها المجموعات المشاركة.

لم تكتمل فرحة “الديوان” إلا بلقاء العمالقة. فقد شهدت السهرة مشاركة نوعية ومميزة لكل من “محلة بوحبيترة” و”محلة باريقو“.

  • محلة بوحبيترة: قدمت عرضاً يحاكي الأصالة، حيث أظهر أفرادها مهارة عالية في ضبط الإيقاعات، مقدمين وصلات تعكس عمق التراث المحلي لولاية سيدي بلعباس.
  • محلة باريقو: لم تكن أقل شأناً، حيث أضفت حيوية خاصة على المكان، وتناغم أعضاؤها مع محلة بوحبيترة في مشهد فني نادر، جسد وحدة الصف الثقافي وتكامل المدارس الفنية التي يزخر بها إقليمنا.

في لحظات الذروة، امتزجت الأصوات لتخلق سيمفونية شعبية لا تملك أمامها إلا أن تنحني إجلالاً للذاكرة التي تأبى الاندثار.

بصفتي موثقه لهذه اللحظة، ومن خلف عدسة كاميرتي التي رافقت كل تفصيل في هذه الاحتفالية، كنت أرى أكثر مما تسمعه الآذان. رأيت الدموع في عيون الجذابه الذين استعادوا ذكرياتهم مع كل “جذبة” . رأيت الفخر في نظرات السيد محمد دوش والسيد عاشور محمد وهما يريان حلمهما يتجسد واقعاً ملموساً. ورأيت الشباب يلتفون حول كبار الشيوخ ، في مشهد يوحي بأن “الخلف” قد بدأ فعلياً في استلام الأمانة من “السلف“.

لقد كانت صوري التي التقطتها في تلك الليلة ليست مجرد لقطات ضوئية، بل هي “وثائق بصرية” ستروي للأجيال القادمة أن في سيدي بلعباس، وتحديداً في حي سيدي الجيلالي القديم ، كان هناك رجال يعشقون التراث حتى النخاع، وأن هذا التراث حيٌّ لا يموت ما دامت هناك قلوب تنبض بحبه.

إن إشهار هذه الجمعية هو نداء لكل المثقفين والسلطات المحلية للاهتمام بمثل هذه المبادرات. سيدي بلعباس ليست مجرد مدينة حضرية، بل هي خزان تراثي يحتاج إلى “ديوان” دائم، لا يقتصر على ليلة واحدة، بل يمتد ليشمل ورشات تكوينية، ملتقيات، وأرشفة رقمية لكل ما هو مادي وغير مادي من موروثنا الشعبي.

شكرًا للسيد محمد دوش والسيد عاشور محمد على هذه المبادرة النبيلة، وشكراً لكل من ساهم في جعل ليلة 10 يوليو 2026 ليلة لا تُنسى في ذاكرة سيدي الجيلالي القديم .

مقالات ذات صلة

All comments are subject to our Community Guidelines. TheTrendRemix does not endorse the opinions and views shared by readers in our comment sections.

[DISPLAY_ULTIMATE_SOCIAL_ICONS]