- من هو جون بيرغر؟
- لماذا تبرع جون برجر بنصف جائزة بوكر؟
- ما هي فلسفة “طرق الرؤية” عند جون برجر؟
- كيف أثرت حياة الريف على أدب جون برجر؟
من هو جون بيرغر؟
في عالم يضج بالصور المستهلكة، كان جون برجر يقف كحارس للرؤية الحقيقية. لم يكن مجرد كاتب أو ناقد فني بريطاني، بل كان فيلسوفاً بصرياً، وروائياً، وشاعراً، وناشطاً سياسياً قضى حياته في تفكيك الطريقة التي ندرك بها الجمال والقوة والطبقة الاجتماعية.

1. البدايات: من لندن إلى أفق التمرد
وُلد جون برجر في لندن عام 1926. نشأ في بيئة مكنته من مراقبة التناقضات الصارخة في المجتمع البريطاني. بعد خدمته في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، التحق بمدارس الفن (Central School of Art) وبدأ حياته كرسام.
هذا التأسيس كرسام هو “السر” وراء عبقريته؛ فبرجر لم يكن يحلل الفن من برج عاجي، بل كان يعرف ملمس الريشة وقلق المساحات البيضاء. لكنه سرعان ما أدرك أن القلم قد يكون أحياناً أشد تأثيراً من الفرشاة في تغيير الوعي الجماعي، فانتقل إلى الكتابة والنقد في الخمسينيات.
2. “طرق الرؤية”: الثورة التي غيرت كل شيء
ما هي فلسفة “طرق الرؤية” عند جون برجر؟
لا يمكن الحديث عن برجر دون التوقف مطولاً عند كتابه وبرنامجه التلفزيوني الأيقوني “طرق الرؤية” (Ways of Seeing) عام 1972.
كان هذا العمل رداً مباشراً على النظرة التقليدية للفن التي كانت تروج لها المؤسسات الأكاديمية. جادل برجر بأننا لا ننظر إلى اللوحات “بحياد”، بل إن رؤيتنا محكومة بخلفياتنا الأيديولوجية والطبقية.
- تسليع الفن: كشف كيف تحولت اللوحات الزيتية إلى رموز للملكية والاستعلاء الطبقي.
- تسليع المرأة: كان من أوائل الذين حللوا “النظرة الذكرية” (The Male Gaze) في الفن الكلاسيكي، موضحاً أن “الرجال يتصرفون، والنساء يظهرن”.

3. الماركسية الإنسانية: الفن كفعل سياسي
لماذا تبرع جون برجر بنصف جائزة بوكر؟
كان برجر ماركسياً، لكنه لم يكن ماركسياً “دوغمائياً” أو جامداً. كانت ماركسيته تنبع من انحياز مطلق للمهمشين. بالنسبة له، الفن ليس للرفاهية، بل هو أداة لفهم الواقع ومقاومة الظلم.
عندما فاز بجائزة “بوكر” المرموقة عام 1972 عن روايته “جي” (G.)، قام بفعل هزّ الأوساط الثقافية: تبرع بنصف قيمة الجائزة لحركة “النمر الأسود” (Black Panthers) في بريطانيا، احتجاجاً على استثمارات شركة “بوكر” في منطقة الكاريبي التي كانت قائمة على الاستغلال الاستعماري. كان هذا الفعل تجسيداً لإيمانه بأن المثقف يجب أن يقرن كلماته بالأفعال.
4. الرحيل إلى الريف: حياة الفلاحين
كيف أثرت حياة الريف على أدب جون برجر؟
في منتصف السبعينيات، اتخذ برجر قراراً مفصلياً بالانتقال للعيش في قرية جبلية صغيرة في جبال الألب الفرنسية تسمى “كوينسي”. لم يذهب هناك للاعتزال، بل ليتعلم.
أراد أن يفهم حياة الفلاحين، أولئك الذين اعتبرهم “الطبقة الناجية” التي تتلاشى أمام زحف الرأسمالية. من هذه التجربة ولدت ثلاثيته الشهيرة “في بلادهم” (Into Their Labours)، والتي تضم:
- Pig Earth (أرض الخنزير)
- Once in Europa (ذات مرة في أوروبا)
- Lilac and Flag (الليلك والعلم)
في هذه الكتب، كتب برجر عن الأرض، والولادة، والموت، والتعب برقة مذهلة، محولاً حياة الفلاحين البسطاء إلى ملحمة إنسانية كبرى.

5. برجر وفن “البورتريه” الإنساني
تميز أسلوب برجر في الكتابة بالبساطة العميقة. كان يكتب كمن يهمس في أذن القارئ. في مقالاته عن التصوير الفوتوغرافي، مثل كتابه “استخدامات الصور”، كان يتساءل: ماذا يحدث للزمن عندما تلتقط الكاميرا لحظة ما؟ وكيف يمكن للصورة أن تسرق المعنى أو تمنحه؟
كان برجر يرى أن الرسم هو “فعل اكتشاف”، بينما التصوير هو “فعل اختيار”. هذا العمق جعله المفضل لدى المصورين والفنانين التشكيليين، لأنه كان يمنح أعمالهم أبعاداً وجودية.
6. جون برجر وفلسطين: صوت الحق
لم يغب الهم العربي عن وجدان برجر. كان من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية، زار الأراضي المحتلة عدة مرات، وكتب مقالات تقشعر لها الأبدان عن جدار الفصل العنصري والمعاناة اليومية للفلسطينيين. كان يرى في الصمود الفلسطيني نموذجاً للمقاومة الإنسانية ضد المحو الثقافي والجغرافي.

7. سنواته الأخيرة وإرثه
حتى في شيخوخته، لم يفقد برجر فضوله الطفولي. ظل يرسم، ويكتب الرسائل، ويستقبل الزوار في منزله المتواضع. توفي في عام 2017، تاركاً وراءه مكتبة ضخمة من الأعمال التي لا تتقادم.
أهمية جون برجر تكمن في أنه أعاد لنا “الدهشة”. علّمنا أن النظر هو فعل سياسي، وأن التعاطف هو جوهر الإبداع.
ختاماً: لماذا نقرأ برجر اليوم؟
نقرأه لأننا نعيش في عصر “التزييف العميق” وازدحام الشاشات. نحن بحاجة إلى بوصلة برجر لنفرق بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، ولنتذكر أن خلف كل صورة هناك إنسان، وخلف كل عمل فني هناك قصة صراع أو حب.









