بقلم: حمادوش حورية
في مشهد مسرحي يتسم بالتكثيف الذهني والجمالية البصرية، استطاع المخرج الجزائري هارون الكيلاني أن يضع المتلقي أمام تجربة مغايرة من خلال مسرحيته “سيو”. العمل ليس مجرد عرض مسرحي تقليدي، بل هو محاولة “أنثروبولوجية” وفنية لفك شفرات الهوية، والذاكرة، وتفاعلات الإنسان مع محيطه التاريخي والاجتماعي.

تأتي مسرحية “سيو” لتؤكد مجدداً على البصمة الإخراجية الخاصة لهارون الكيلاني، الذي عود جمهوره على الابتعاد عن السرد المسرحي الخطي، واللجوء بدلاً من ذلك إلى لغة الجسد والسينوغرافيا المعبرة. في هذا العرض، يغوص الكيلاني في أعماق النفس البشرية، متخذاً من “سيو” محوراً رمزياً يعبر عن التساؤلات الوجودية التي تلاحق الإنسان المعاصر.

أحد أبرز مكامن القوة في العرض هو الاشتغال السينوغرافي. لقد نجح الكيلاني في تحويل خشبة المسرح إلى فضاء تأملي، حيث الإضاءة ليست مجرد عنصر تقني، بل هي أداة درامية بحد ذاتها، تبرز الانكسارات النفسية للشخصيات. استطاع العرض أن يخلق توازناً دقيقاً بين الحوار المقتضب والصورة المشهدية الكثيفة، مما منح المتلقي مساحة واسعة للتأويل.
اعتمد هارون الكيلاني في إدارته للممثلين على تفريغ الشحنات العاطفية من خلال التعبير الحركي. الشخصيات في “سيو” ليست مجرد أدوات ناقلة للنص، بل هي تجسيد حي للصراع. لقد نجح الممثلون – بفضل رؤية المخرج – في تحويل “سيو” من مجرد عنوان إلى حالة شعورية تتجاوز حدود الخشبة، لتصل إلى وجدان الجمهور الذي وجد في العرض انعكاساً لأسئلته الخاصة.
نبذة عن المسرحية :
كتب سينوغراف المسرحية حمزة عراب : من زمن النهاية. عالمٌ أنهكه النفاق والكراهية والجشع، حتى صار الشر هو السيد، تحت ظلال الشيطان والدجال. لكن، مهما اشتد الظلام، تبقى عين الله ترى كل شيء، ويظل الخير ينتظر لحظة انتصاره الأخيرة، لتشرق الحقيقة…..
الممثلون :
كتب المخرج هارون الكيلاني عن ممثليه :
معلم جليل تذكرووووو هذا الاسم جيدا – جليل في دور ( آشلين )
الدكتور عبد القادر رواحي ( قاديرووو) سيد المسرح الأسمر دون منازع .حب يشبه عين بوداااا و اداء كالعاصفة و حضور يطاول السماء كنخل الواحة – قاديرو في دور أودفو





بينما يميل المسرح أحياناً إلى المباشرة، يختار الكيلاني في “سيو” طريق الترميز والتركيب. قد يجد بعض المشاهدين صعوبة في تتبع خيوط الحكاية للوهلة الأولى، إلا أن هذا الغموض المحبب هو ما يمنح العرض ديمومته، فهو يدفعك للتفكير في تفاصيله طويلاً بعد إسدال الستار. إن “سيو” تمثل انتصاراً للمسرح التجريبي الذي لا يسعى لإرضاء الذائقة السطحية، بل يسعى لتحفيز العقل.


إن مسرحية “سيو” للمخرج هارون الكيلاني ليست مجرد إضافة في مساره الفني الحافل، بل هي شهادة حية على نضج المخرج وقدرته على تطويع الأدوات المسرحية لخدمة قضايا إنسانية عميقة. لقد استطاع الكيلاني أن يصنع من “سيو” فضاءً للمساءلة، ليثبت أن المسرح الجزائري لا يزال بخير، طالما أنه قادر على إنتاج أعمال تحترم عقل المتفرج وتستفز خياله.









