“روحٌ تتسامى عبر الإيقاع – توثيقٌ حي للمعروف السنوي ‘الديوان’ بمدينة سيدي بلعباس”

بقلم: حمادوش حورية

في قلب مدينة سيدي بلعباس، حيث تمتزج عراقة التاريخ بعبق التقاليد الصوفية، احتضنت المدينة يومي 8 و9 جويلية 2026 طقوس ” المعروف السنوي ” لفرقة الديوان ، محلة السيد عباس سوداني . مناسبة لا تقتصر على كونها تجمعاً احتفالياً، بل هي رحلة روحية تعيد وصل الحاضر بجذور التراث الإفريقي-الجزائري.

مع إشراقة شمس يوم 8 جويلية، بدأت طقوس “المعروف” بدقة متناهية، حاملةً في طياتها موروثاً تناقلته الأجيال. لم يكن المكان مجرد مساحة جغرافية، بل تحول إلى فضاء روحاني يضج بنغمات “الڨمبري” وأصوات “القراقب” التي تضبط إيقاع القلب قبل إيقاع الجسد.

خلال هذين اليومين، كان لي شرف توثيق هذه اللحظات بعدستي؛ حيث تماهى الحضور مع “الحضرة” في مشهدٍ يعكس التناغم بين المدح الديني والطقوس الاحتفالية التي تميز الڨناوة. لقد كانت الصور التي التقطتها شاهداً على تفاصيل دقيقة: من “البخور” الذي يملأ الأرجاء، إلى الزي التقليدي بألوانه المفعمة بالرموز، وصولاً إلى تعابير الوجوه التي تعكس حالة من “الجذبة” الروحية الراقية.

إن “المعروف” في سيدي بلعباس ليس مجرد عادة، بل هو “ميثاق ذاكرة”. هو محاولة مستمرة لإحياء الفن الڨناوي الذي يُعد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية لمدينة “المكرة“. إن صمود هذا التقليد أمام زحف الحداثة هو دليل على وعي أفراد الديوان بأهمية الحفاظ على التراث “غير المادي” الذي يربطنا بجدورنا التاريخية.

تزخر مدينة سيدي بلعباس بذاكرة تراثية عميقة، ولعلّ حي “عبد القادر بومليك” — المعروف شعبياً بـ “الكامبو الجديد” — كان مسرحاً لتجسيد حيّ لأحد أجمل طقوسنا الشعبية: “المعروف السنوي ” ، الذي كان لمحلة السيد “عباس سوداني“.

لم يكن “الكامبو الجديد” مجرد حي سكني، بل تحول إلى حاضنة لروح التراث. لقد استقبل السيد عباس سوداني ست محلات (فرق) وفدت من مختلف ربوع الوطن، في مشهدٍ يعكس تلاحم أهل الديوان. وقد تميز الحدث بحضور نوعي لكل من:

  • محلة مقدم سوداني – بشار.
  • محلة مقدم بنعودة – سيڨ.
  • محلة زراولة – باريقو .
  • محلة مقدم سوري – مستغانم.
  • محلة مقدم عمور ديدن – سيدي بلعباس.
  • محلة مقدم بوعبدل – باريقو .

هذا التجمع ليس مجرد لقاء موسيقي، بل هو “صلة رحم” بين محلات الديوان، حيث تتلاقح الألحان وتتوحد الطقوس.

من بين المشاهد التي وثقتها، كانت تلك اللحظة التي تلاقت فيها نظرات الشيوخ مع الشباب في “حلقة الذكر“، وهي إشارة قوية على انتقال المشعل. فالصور التي التقطتها لم تكن مجرد توثيق لحدث عابر، بل هي محاولة لتجميد الزمن في لحظاتٍ من الصدق العفوي والولاء لهذا الفن النبيل.

شهدت المناسبة إحياء تقاليد ذبح “العتروسوالدجاج وفق الطقوس الديوانية الموروثة، وهي لحظات تحمل دلالات روحية واجتماعية عميقة لدى أهل هذا الفن. لقد وثقتُ بعدستي هذه المراسم التي تُمارس بكل وقار، حيث يسود الصمت المقدس قبل أن تنطلق أصوات القراقب ونغمات الڨمبري لتمزج بين التضحية والاحتفال، في أجواءٍ خيمت عليها الرهبة والسكينة.

لقد كان لي شرف مرافقة الحدث وتوثيق تفاصيله بالصور، من لحظات استقبال الضيوف إلى “الحضرة” التي جمعت المحلات الست في حلقة ذكرٍ موحدة. إن هذه الصور ليست مجرد توثيق بصري، بل هي صكّ إثباتٍ على حيوية التراث في حي عبد القادر بومليك، وعلى الدور الكبير الذي يلعبه السيد عباس سوداني ومحلات الديوان في الحفاظ على هذا الإرث من الاندثار.

إن نجاح هذا “المعروف” في حي عبد القادر بومليك هو تأكيد على أن الڨناوة في الجزائر ليست مجرد فن ترفيهي، بل هي فلسفة حياة، ورابطة متينة تجمع أبناء الجزائر من كل الولايات وصولاً إلى سيدي بلعباس. تظل الصور التي التقطتها شاهداً حياً على حدثٍ، وإن انقضت أيامه، فستبقى أصداؤه تتردد في أزقة الكامبو الجديد، لتذكرنا بأننا أبناء ثقافةٍ لا تموت.

ينتهي “المعروف” السنوي، لكن أصداء القراقب تظل عالقة في أزقة سيدي بلعباس، وتظل الصور التي التقطتها تروي حكاية شعبٍ يتمسك بجذوره. إن مدينة سيدي بلعباس، من خلال “ديوانها “، تثبت أنها ليست فقط مدينة الفن ، العلم والرياضة، بل هي حاضنةٌ أمينةٌ لتراثٍ يعبر الزمان والمكان.

مقالات ذات صلة

All comments are subject to our Community Guidelines. TheTrendRemix does not endorse the opinions and views shared by readers in our comment sections.

[DISPLAY_ULTIMATE_SOCIAL_ICONS]