بوسعدية المطوقس.

يلبس ملابس رثه مكسوة بجلود الحيوانات ، يعزف لحنا إفريقيا و ينادي بإسم إبنته سعدية . بوسعدية الملك الذي أضاع ملكه بحثا عن إبنته سعدية.

هو أحد ملوك إفريقيا و يرجح أنه زعيم قبيلة في التشاد أو إفريقيا الوسطى ، كان لديه إبنة يحبها حبا جما لكن شاءت الأقدار أن تخطف و تباع في سوق النخاسة بإفريقيا . فلبس والدها ثيابا مزركشة و رثة ملىء بريش الطيور و بعض الأكسسوارات و حمل عظام حيوانات و لبس قناعا ليخفي وجهه كي لايكشف عن هويته و هام بين المدن باحثا عن إبنته سعدية مرددا أغاني و مناديا بإسمها علها تتعرف عليه .

هكذا ظل إسم بوسعدية مع مرور الزمن مرتبطا بمن يلبس ملابس رثه في إعتقاد العامة ، أما عند أصحاب الديوان في الجزائر فبوسعدية شخصية لها وزن ثقيل حيث نسبت لها موسيقى الديوان و في تونس نسب لبوسعدية الدندري ستامبالي و كذا الحال في ليبيا صطمبولي ، وأصبح لها ذكرى تحيا كل سنة .

من الأسطورة إلى المسرح :

هاهو اليوم يأتينا الفنان الجزائري المبدع إبن ولاية سيدي بلعباس السيد حسين بن شميسة ليأخذنا في ساعة من الزمن نغوص و نجوب وسط قصة يرويها لنا ذات مرجعية تاريخية طويلة .

حسين بن شميسة في شخصية بابا سالم أو بوسعدية كما يعرف عند العامة ، قدمها لنا في عرض فريد من نوعه تحت عنوان المطوقس .

المطوقس :

هو عرض مسرحي من نوع مسرح الشارع ، المطوقس عنوان يحمل دلالة رمزية تعبر لنا عن شخصية بابا سالم ، فمصطلح المطقوس مستوحى من الطقس جمع الطقوس ، أو كما يتداوله المجتمع الجزائري في صيغة أخرى المروحن أو صاحب الحال .

وهذا ما جاء في صلب المسرحية حيث قدم لنا الممثل حسين بن شميسة أبعادا للشخصية و خلفيتها و مرجعيتها التاريخية بكل جدارة .

تقول الأسطورة أن بابا سالم بوسعدية هو في الأصل أحد ملوك بلاد إفريقيا هنالك من ينسبه إلى قبيلة هوسة في النيجر أو بمبارا في مالي أو بورنو شمال شرق نيجيريا أو قبائل أخرى في تشاد و كونغو و السينغال إختطف تجار العبيد ابنته سعدية و زوجته مبروكة ،ومن شدة تعلقه بإبنته رحل من بلاد إلى بلاد يبحث عنها و بصفته ملك تنكر بهذا الشكل و وضع قناعا جلديا على وجهه حتى لا تكتشف هويته الحقيقية فكان يدور في الأزقة و الشوارع منشدا صفات ابنته بلغته الأعجمية لعله يجدها.

حكاية جسدها لنا الممثل حسين بن شميسة في لوحات فنية تجعل من المتلقي ينغمس و يتخلله الفضول لمعرفة المزيد حول هذه الشخصية و معرفة كل أسرارها .

بابا سالم هو شخصية فلكلورية كانت تجوب شوارع و الأحياء ظنا من العامة أنها هنا للتسول بطريقة متحضرة، بابا سالم يرقص و يغني و يعزف فيدخل الفرحة على المارة مقابل ما يتلقاه من أموال أو أكل يقدم له.

و هو في الغالب رجل أسود البشرة على حسب ما يروى في الأسطورة . يلبس ثوب فضفاض و سروال عربي و سترة صدرية غالبا ما تكون حمراء و مزينة بقطع نحاسية و قطع الجلود المجففة و أحزمة قديمة ، و يعلق التمائم و الأجراس و العظام و قطعا معدنية تصدر خشخشة عند مروره ، و يحمل قناعا على وجهه و يرقص على دقات الطبل الصغير الذي يحمله ، بدائي الشكل مصنوع من الخشب و الجلد الملون بالحناء يعرف هذا الطبل في السودان الغربية بإسم جانغا فورنيا يرقص على دقاته و الأطفال يتبعونه فرحا و ابتهاجا .

و هذا ما جاء كتوثيق للأسطورة من خلال العرض المسرحي المطوقس علما أن السينوغرافيا و الإستشارة الفنية على العرض كانت تحت إشراف القامة الفنية السيد قادة بن شميسة ما جعل من العمل الفني أكثر إحترافية .

ماذا كتب الباحثون عن بوسعدية :

يقول “بشير فراح” أستاذ محاضر في علم الإجتماع بجامعة الجزائر:

بابا سالم جزء لا يتجزأ من هوية الجزائريين والمجتمع الجزائري، توارثتها الأجيال منذ العهد العثماني، وبقيت صورة متجددة للبهجة والتكافل والتضامن، ففي السابق كانت فرق تجمع الأموال لمساعدة ذوي الحاجة كنوع من التضامن ، وهو ما جعلها تدوم وتستأصل إلى أعماق مجتمعنا ، خاصة وأنها اليوم تمت للصوفية كثيرا ، فالمتتبع لأغانيهم وحكاياتهم وطريقة رقصاتهم ، يعرف من أين ينحدر القناوة وما الذي يقدمونه، خاصة المديح الديني الرائع الذي يسردونه على طريقتهم وتعبيراتهم الإيحائية من خلال الرقصات.

ورد في سجل الجزء الثالث من كتاب وقائع المؤتمر الدولي 14 للمستشرقين الدي إنعقد في الجزائر سنة 1905 : أن المهنة الأساسية للزنوج القادمين من أفريقيا الغربية هي تكسير الحجر و أشغال الطرقات و لاكن بعضهم كان يقدم العروض الراقصة في الشوارع على الطريقة الإفريقية.

و جاء أيضا : أن هؤلاء الزنوج يطلق عليهم إسم بوسعدية ، كما نشر الكاتب الفرنسي أشيل روبرت سنة 1900 في كتابه العربي كما هو دراسات جزائرية وتونسية : يقول فيها توقف عن البكاء هاهو بوسعدية قد جاءك هذا ما كانت تهدد به الأمهات أطفالهن ليتوقفو عن البكاء .

و جاء في المجلة الإفريقية سنة 1921 التي كانت تعنى بشؤون المستعمرات الفرنسية في إفريقيا ، يصدرها مؤرخون و مستشرقون : بوسعدية هو نوع من الزنوج الراقصين يمارس الرقص بمفرده و يتنقل عبر القرى و المناطق النائية .

كما وضح أكثر سجل 14 للمستشرقين : أن بوسعدية ليس توصيف لفئة فحسب بل هو توصيف لفرقة تمارس تقديم العروض الموسيقية الراقصة في الشوارع حيث جاءت في مناسبات دينية الإسلامية فرقة تجوب الشوارع في كل المدن الجزائرية و هي تقرع على الطبول و تضرب الصنجات الحديدية آملين في جمع تبرعات مالية و مؤونات غدائية ، و في هذا الإتجاه توجهت المجلة الإفريقية في عددها لسنة 1921 بالقول في كل عيد إسلامي يجتمع الزنوج في مجموعات تتكون من 3 أو 5 أشخاص من أجل الرقص في الشوارع و هدف هذا الرقص هو جمع المؤونة و المال و يتبعهم حمار من أجل حمل ما يجمعونه من كسكس و طحين و غيرها .

فن خصص للشارع من زمن الدايات ، جاء في كتاب الرحالة الألماني مورتس فاجنر أورد في كتابه رحلات في ولايات الجزائر في سنوات 1836-1837-1838 الصادر في المدينة الألمانية لايبتسيج سنة 1841 ما يتطابق مع ما جاء سابقا حول مجموعة بوسعدية و يؤكد بأن الممارسة الموسيقية التي تقوم بها هذه المجموعة تعود إلى زمن قديم جدا ما يعني أنها تعود إلى القرن 18 عشر على الأقل .

مورتيس فاغنر يقول : يستيقظ الناس في الصباح على أنغام الموسيقى الصاخبة التي يعزفها السود ، موسيقاهم ذات إيقاع همجي و تصاحبها حركات الفنانين السود و تمثيلهم الصامت و إهتزازات أجسادهم حيث يبدو كل شيء فيهم يتحرك الرأس ، الفم ، الأدن ، العين ، القدم، الأصابع و هذا في الوقت الذي يتهادى فيه الجسم و يؤدي حركاته على حدى و مظهر هؤلاء الزنوج غريب يستعصي على الوصف ولا يستطيع الإنسان أن ينظر إليهم دون أن يضحك و تراهم يلتفون بالأجنبي طالبين منه ثمنا لهذه التسلية التي قدموها له و يضجون بآلاتهم حوله و يعبسون وجوههم بصورة رهيبة فيضطر لشراء نفسه و إخراجها من دائرتهم بعدد من القطع النقدية ، و كانو هؤلاء نفسهم يوقضون الداي من نومه صبيحة يوم العيد و يعزفون موسيقاهم في قصر القصبة مثل ما يفعلون ذلك في الأماكن الأخرى .

مقالات ذات صلة

All comments are subject to our Community Guidelines. TheTrendRemix does not endorse the opinions and views shared by readers in our comment sections.

[DISPLAY_ULTIMATE_SOCIAL_ICONS]