مدخل: حين يتحول الراي إلى جسر بين الأجيال
منذ انطلاقه قبل أربعة عشر عامًا، أضحى المهرجان الوطني الثقافي لأغنية الراي في سيدي بلعباس موعدًا سنويًا ينتظره عشاق هذا اللون الغنائي العريق. دورة 2025 التي احتضنها مسرح الهواء الطلق “صايم لخضر” من 7 إلى 10 أوت، جاءت تحت شعار “من الذاكرة إلى الخشبة، تراث يُغنّى”، لتؤكد أن الراي ليس مجرد إيقاع موسيقي، بل هو مرآة للذاكرة الشعبية ورافد من روافد الهوية الجزائرية.
هذا الشعار لم يكن مجرد عبارة دعائية، بل فلسفة برمجية جمعت بين الأسماء التاريخية التي صنعت مجد الراي، والأصوات الشابة التي تسعى إلى رسم ملامحه المستقبلية. في مدينة تعتبر مهدًا لكبار رموز الراي، تحولت ليالي المهرجان إلى احتفاء بالحنين والتجديد في آن واحد.

السياق التاريخي: الراي بين الجذور والتحولات
ظهر فن الراي في الغرب الجزائري كصوت المهمّشين، ووسيلة للتعبير عن الحياة اليومية، الحب، الغربة، والقضايا الاجتماعية. ومع مرور العقود، عبر حدود الجزائر ليصبح لونًا عالميًا، لكنه ظل بحاجة إلى منصات مؤسساتية تحافظ على أصالته وسط موجات التحديث السريعة.
في هذا السياق، يلعب المهرجان دورًا يتجاوز الترفيه إلى ترسيخ الذاكرة، وتوثيق المسار الفني للأسماء التي رحلت، وتعريف الجمهور بالأجيال الصاعدة. لذلك، جاءت دورة 2025 كجسر بين الماضي والحاضر، مستندة إلى مقاربة فنية وفكرية في آن واحد.
افتتاح يليق بالرمز
استهل المهرجان فعالياته بتكريم خاص للفنان الراحل محمد بوسماحة، الذي شغل منصب محافظ المهرجان لسنوات طويلة، واعتُبر أحد أبرز حماة تراث الراي. هذا التكريم لم يكن شكليًا، بل تخللته شهادات فنية وإنسانية استحضرت مسيرته وإسهاماته في ترسيخ مكانة المهرجان محليًا ودوليًا.

أما السهرة الافتتاحية، فكانت بمثابة رحلة عبر الذاكرة، أداها كل من الشيخ النعام، محمد بلحبيب، قويدر العباسي، والشيخ بلمو، لطفي عطار – راينا راي . الذين قدموا وصلات مزجت بين الإيقاعات التقليدية والنَفَس العصري، لتعيد الحضور إلى بدايات الراي ووهجه الأصيل.
برمجة فنية تصهر الأجيال
لم تكتف الدورة الرابعة عشرة بالاعتماد على رموز الراي، بل منحت المساحة أيضًا لأسماء من مختلف الأجيال، في محاولة لصهر الخبرة بالطاقة الشابة.
- سهرة الجمعة: شهدت مشاركة الشيخ ميمون، الشاب معاشو علام، الشيخ نبال، عباس مرحوم، كبير برابح، وفرقة مورصادو، كادار الصغير في أجواء جمعت الحنين إلى الرواد مع النكهة الحركية للعروض المعاصرة.
- سهرة السبت 09 أوت 2025 : صعد على الخشبة كل من محمد العباسي، رياض النعام، الشاب قاديرو، فارس بوشاقور، بلعمري الحاج، وشعيب محمد و فرقة ميلواست، مقدمين وصلات دمجت بين الألحان الطربية والكلمات التي تحاكي نبض الشارع.
- السهرة الختامية: منحت الكلمة للمواهب الواعدة مثل ياسين صغير، ابن المرحوم زرقي – حمام زواوي زرقي، حكيم صالحي، الشاب محفوظ، ومنال حدلي، في رسالة واضحة مفادها أن مستقبل الراي بين أيادٍ شابة قادرة على التجديد.





الأنشطة الموازية: الذاكرة في صور وكلمات
لم يقتصر المهرجان على العروض الغنائية، بل فتح نوافذ فكرية وبصرية موازية:
- ندوات فكرية
- تاريخ أغنية الراي التي تتناولت المسار التاريخي للفن، وتحولاته في مواجهة موجات العولمة.
- معرض تشكيلي
بعنوان “زرقي أحمد، مسار خالد في الذاكرة الوطنية”، عرض صورًا ووثائق نادرة عن الفنان الراحل، مسلطًا الضوء على مسيرته كمثال للفنان الذي جسد الراي في ملامح إنسانية وفنية عميقة.









البعد النقدي: بين المحافظة والتجديد
من خلال تتبع البرنامج، يمكن القول إن المهرجان يسعى لتحقيق معادلة صعبة: المحافظة على التراث دون السقوط في التكرار، وفتح المجال للتجديد دون فقدان الهوية.
لكن، في ظل تسارع أنماط الإنتاج الموسيقي الحديثة، يبقى السؤال: هل تكفي أربع ليالٍ سنويًا للحفاظ على ذاكرة موسيقية بهذا العمق؟
النقد الموجه غالبًا للمهرجان هو أن بعض الأسماء الشابة تميل إلى تقليد الرواد بدل ابتكار أسلوب خاص بها، ما يضعف فرص تطوير الراي عالميًا. بالمقابل، يشير المدافعون عن هذه المقاربة إلى أن التقليد هو الخطوة الأولى نحو الابتكار، وأن الدمج بين الخبرة والطاقة الجديدة هو السبيل الأمثل.
التحديات والرهانات المستقبلية
- التوثيق الرقمي
رغم أهمية المهرجان، لا تزال الحاجة ماسة إلى إنشاء أرشيف رقمي مفتوح يوثق تاريخ الراي وأهم عروضه. - التوسع الجغرافي
التفكير في تنظيم جولات للعروض في ولايات أخرى لنشر ثقافة الراي على نطاق أوسع. - التعاون الدولي
عقد شراكات مع مهرجانات موسيقية عالمية لإعادة تقديم الراي للجمهور الأجنبي بصيغ احترافية. - استثمار الإعلام الجديد
تفعيل منصات البث المباشر والتواصل الاجتماعي لتوسيع قاعدة الجمهور، خاصة لدى فئة الشباب المهاجر.
شهادات ورسائل
في تصريحاته، أكد حسام حرز الله، محافظ المهرجان، أن دورة 2025 جاءت برؤية فنية متجددة، وحرص على إبراز الأصوات الصاعدة إلى جانب الرواد، مشددًا على أن “الراي تراث حي يجب أن يتطور بمرور الزمن”.
من جهتها، صرحت أحمد إبراهيم منيرة، المكلفة بالإعلام، أن هذه الدورة استفادت من تمويل قدره مليار ونصف سنتيم، مما سمح برفع مستوى التنظيم وتحسين جودة العروض.
الراي… ذاكرة تُغنّى ومستقبل يُصنع
لا شك أن المهرجان الوطني الثقافي لأغنية الراي في سيدي بلعباس بات أكثر من مجرد حدث موسيقي؛ إنه مساحة للقاء الأجيال، وتأكيد على أن هذا الفن الشعبي جزء لا يتجزأ من الهوية الجزائرية.
دورة 2025 حملت رسالة مزدوجة: تكريم الماضي، وصناعة المستقبل، وهو ما يضع على عاتق المنظمين تحديًا دائمًا للحفاظ على أصالة الراي وفي الوقت نفسه جعله مواكبًا للتطورات الفنية العالمية.
وبين الخشبة والذاكرة، يظل الراي صوتًا ينبض بالحنين، ويجدّد نفسه مع كل جيل، تاركًا بصمة في قلب كل من عاش سهرات المهرجان أو تابعها من بعيد.









