مهرجان أدب وسينما المرأة في سعيدة – بين الاحتفاء بالإبداع النسوي وتثبيت الهوية الثقافية

تشهد مدينة سعيدة تنظيم الدورة الثامنة من مهرجان أدب وسينما المرأة، في تظاهرة تسلط الضوء على الإبداع النسوي في الجزائر من خلال عروض سينمائية، لقاءات أدبية وورشات تكوينية، بمشاركة مخرجات وكاتبات بارزات.

في زمن يشهد تحوّلات متسارعة على مستوى الخطاب الثقافي وتمثلات المرأة في المجتمعات العربية، تستعيد مدينة سعيدة، غرب الجزائر، دورها كمنصة ثقافية فاعلة من خلال تنظيم الدورة الثامنة من “المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة“، المزمع انعقاده ما بين 26 و30 ماي 2025، تحت شعار يحمل دلالات قوية: “أدب وسينما المرأة… نتقدّم معًا”.

هذه التظاهرة الفنية والأدبية ليست مجرد حدث ثقافي موسمي، بل هي مساحة لرفع صوت المرأة، وإعادة توجيه البوصلة نحو مساهماتها الحقيقية في تشكيل المخيلة الجماعية الجزائرية، سواء عبر الصورة أو الكلمة.

سينما المرأة: صورة تتحدى الكليشيهات

من أبرز محاور المهرجان، المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة، التي تشهد هذا العام منافسة قوية بين خمسة أعمال سينمائية لمخرجين من مختلف المدارس والرؤى، تتقاطع جميعها في طرح قضايا إنسانية واجتماعية ذات بعد نسوي أو رؤية نقدية للواقع:

  • “196 متر” للمخرج شكيب بن دياب، عمل يحمل بُعدًا إنسانيًا يلامس الجغرافيا السياسية والاجتماعية.
  • “المحطة” للمخرج لطفي بوشوشي، الذي يُعرف باهتمامه بالمساحات الرمادية في المجتمع الجزائري.
  • “رجلان ومصير” للمخرج مصطفى أوزغون، عمل يستكشف الثنائية والاختيارات المصيرية.
  • “أرض الانتقام” لأنيس جعاد، فيلم ينفتح على أسئلة الذاكرة والعدالة.
  • “بوعلام زيد القدام” للمخرج الكبير موسى حداد، الذي يجمع بين الحس السردي والبصمة الفنية المتفردة.

هذه الأفلام ستتبارى على جائزة “الخلخال الذهبي”، وهي جائزة رمزية تستلهم من التراث الجزائري النسوي، ما يعكس فلسفة المهرجان في ربط الماضي بالحاضر من خلال الرمز والإبداع.

وتتكون لجنة التحكيم من أسماء نسائية بارزة في المشهد السينمائي الجزائري، من بينهن: نبيلة رزاق، نادية كيبوت، وأمينة سالم، وهن نساء أثبتن جدارتهن في قراءة الصورة وتحليل الخطاب السينمائي بعيدًا عن الطروحات النمطية.

عروض خاصة وحضور نسوي نوعي

إلى جانب المسابقة الرسمية، ستكون الساحة الثقافية في سعيدة على موعد مع عروض سينمائية خارج المنافسة، مثل:

  • فيلم “الصف الأول” للمخرج مرزاق علواش، أحد الأسماء الثقيلة في السينما الجزائرية، حيث يُعرض العمل بحضور طاقم الفيلم ضمن جلسة نقاشية مفتوحة للجمهور.
  • فيلم “البيض” للمخرج العربي لكحل، الذي يفتح أبواب التأمل في القضايا الهوياتية والاجتماعية.
  • فيلم “Les Hommes Libres” للمخرجة الشابة تاغزوت غزالي، التي تقدم رؤية جديدة للحرية من منظور نسوي.

كما تحضر المخرجات الجزائريات بقوة من خلال أعمال بارزة مثل:

  • “الطيارة الصفراء” للمخرجة هاجر سباطة، وهو عمل يمزج بين التوثيق الشعري والتجريب البصري.
  • “Cles de Sol” للمخرجة لويزة بلعمري، الذي يعكس عوالم نسائية داخل فضاءات رمزية ومعاصرة.

وتُعرض كذلك مجموعة من الأفلام القصيرة، أبرزها من توقيع المخرج شرف الدين حجاج، وهي أعمال تفتح المجال أمام التجريب والإبداع دون قيود إنتاجية صارمة.

الكلمة النسائية: الأدب يجاور السينما

في قلب هذه التظاهرة، يبرز الأدب كجناحٍ موازٍ للسينما، حيث أطلقت محافظة المهرجان مسابقة وطنية للرواية القصيرة مخصصة للكاتبات الشابات، تدور حول موضوع يحمل بعدًا رمزيًا وذاكريًا: “رمزية المرأة في التراث الجزائري… من الأسطورة إلى الذاكرة”.

هذه المبادرة تهدف إلى تشجيع الأقلام النسائية الشابة على الحفر في الذاكرة الجماعية واستلهام التراث الشعبي والرموز النسوية في بناء سرديات أدبية حديثة.

وستُقام جلسات أدبية وشعرية يومية بدار الثقافة “مصطفى خالف”، بحضور نخبة من الروائيات الجزائريات مثل: زبيدة برحو، آنيا مزاقر، نجاة رحماني، ودجيجيقة براهيمي.
تأتي هذه اللقاءات لتمنح الجمهور مساحة للتفاعل المباشر مع الكاتبة الجزائرية، وتفتح النقاش حول تحديات النشر والكتابة النسوية في ظل التغيرات الاجتماعية والثقافية.

لقاءات وورشات فنية: من أجل صناعة الكلمة والصورة

واستكمالًا للبعد التكويني للمهرجان، تم برمجة ورشات “ماستر كلاس” لفائدة المهتمين بالمجال السينمائي، يؤطرها كل من:

  • صافي بوتلة، الفنان متعدد المواهب الذي يجمع بين الموسيقى والتأليف البصري.
  • مينا لشطر، إحدى الوجوه النسوية الشابة في الإخراج السينمائي.
  • يحيى مزاحم، مخرج معروف بمقاربته الواقعية والإنسانية.

تهدف هذه الورشات إلى نقل الخبرات وتشجيع جيل جديد من السينمائيين على تطوير أدواتهم الفنية والتقنية، مع التركيز على إدماج الحس النسوي في الرؤية الإخراجية.

ياسمينة خضرة… حضور روائي مميز

من بين أبرز الضيوف الذين سيحلون بمدينة سعيدة، يُسجل الروائي الجزائري العالمي ياسمينة خضرة مشاركته في هذه الدورة، من خلال جلسة يقدم فيها أحدث أعماله الروائية، ويتفاعل خلالها مع القراء حول تجربته الأدبية ومساره الذي جمع بين الأدب والواقع الجزائري المعقّد.

إن حضور خضرة في هذا السياق يُضفي على المهرجان بعدًا فكريًا أعمق، بالنظر إلى رمزية اسمه ومكانته الأدبية في المشهدين العربي والعالمي.

بين الاحتفاء والتكريم: هوية المرأة في الواجهة

يمثل مهرجان أدب وسينما المرأة بمدينة سعيدة أكثر من مجرد تظاهرة ثقافية، فهو إعلان واضح عن تمسك المرأة الجزائرية بموقعها في المشهد الإبداعي، وتأكيد على أن الكلمة والصورة يمكن أن تكونا أداة فعالة للتمكين والتغيير.

كما يحمل المهرجان في طياته رسالة مجتمعية: أن الاعتراف بالمرأة لا يكون عبر الشعارات، بل من خلال إتاحة الفضاءات وتثمين المجهودات. فكل لحظة من لحظات هذا الحدث، من العروض إلى الورشات والجلسات الأدبية، تُعد لبنة في بناء وعي ثقافي جديد، أكثر شمولًا وعدالة.

مهرجان سعيدة هو مرآة تعكس نبض المرأة الجزائرية، بكل ما تحمله من طموح، إبداع، وارتباط بالأرض والهوية. وهو أيضًا مساحة مفتوحة للحوار بين الأجيال، والتقاء الفن بالفكر، والاحتفاء بالأنثى كمنتجة للمعنى، لا كمجرد موضوع للخطاب.

من مدينة سعيدة، ينطلق صوت جديد… صوت نسوي حر، جريء، ومتجدد، يحمل الكاميرا والقلم، ويعيد كتابة المشهد الثقافي على طريقته.

مقالات ذات صلة

All comments are subject to our Community Guidelines. TheTrendRemix does not endorse the opinions and views shared by readers in our comment sections.

[DISPLAY_ULTIMATE_SOCIAL_ICONS]